خاص: الرمان وآينشتاين

محمود بري:::

 

لكل شخص عدّة طفولات… يهندسها تدرّج الحاجات والرغبات والتجارب والمعارف ولمسات التقدم باتجاه النضوج، وذلك بالتناغم مع دبيب الأيام والأسابيع  في عجلة الزمن.

بالنسبة لي شخصياً، عرفت في إحدى طفولاتي المبكرة بعض القواعد البدائية لما عرفته في ما بعد بعلم الكيمياء. عرفتُ أن مزج مادتين مختلفتين يمكن ان يؤدي إلى ظهور مادة ثالثة جديدة تختلف عنهما وتشبه شيئاً من كُلٍ منهما. وبالطبع فقد بقيت هذه المعرفة مُبهمة في يقين الطفل الذي كُنته، وإن كنتُ أمثّل أمام المرحوم والدي دور العارف وأنني فهمت. يومها لم أكن أعرف شيئاً عن الملكات العظيمة التي تتمتع بها الأبوّة، وما كنت لأتصوّر أن الأب، وأبي بالذات، يقرأني مهما “مثّلت عليه”، كما يقرأ في كتاب مفتوح، وبالتالي فلا تمرّ عليه كذباتي الإفتخارية ولو كانت عذبة، ولا ادّعاتي المعرفية الساذجة ولا مزاعمي الهرطوقية البدائية. لذلك فقد كانت مُفاجأتي حين اجتذبني ذات لحظة، ونحن (بل أنا) آكل حبّات الرمّان التي كان يفرطها لي على محرمته (نسميها اليوم منديل الجيب) البيضاء، وكنّا نجلس معاً تحت تحت الرّمانة في تلك الحاكورة التي صرتُ أسمّيها اليوم جنينة.

إجتذبني إليه يسألني عمّا إذا كنتُ أفضّل الرمان الحلو أو الحامض. ووجدتُ في سؤاله فرصة للاختيار، فاخترت اللفّاني (وهذا لقب يُطلق على فصيلة من الرمان ليس عندنا مثلها، يتوسّط طعم حبّاتها بين الحلو والحامض، فتنسكب في الفم رحيقاً ملائكياً شهياً… رحل مع رحيل الوالد وانقضاء الطفولة).

المهم أنني سمعته يقول: لكنك تأكل الرمان اللفّاني. فانتبهتُ من طيشي بأن ما آكله كان حقاً من هذا الصنف، لكنني تعجّبتُ إذ لم يكن لدينا في المكان رمّانة لفّانية. وقبل أن أهاجمه بأسئلة الصبي المنفوخ بمحبة والده، قال لي: ليس عندنا لفاني، لكنني أخلط لك حبّات من الرمانة  الحلوة مع حبّات أقل من الحامضة، فتأكل اللفاني.

كان كلامه هذا صعباً عليّ قليلاً وكثيراُ، فرحت أحاول أن أفهم منصرفاُ في الحقيقة إلى الأكل، وهو يقود خُطاي بصبر عجيب، إلى أن استوعبتُ مغزى ما يقول، وكنت مدهوشاً باكتشافي أن الحلو مع الحامض يأتي بطعم جديد  لذيذ. وكان ذلك أول عهدي بعلم الكيمياء حيث إن خلط مختلفين يؤدي إلى إنتاج ثالث جديد… لِفّاني.

والظاهر أن المرحوم الوالد وجدها فرصة سانحة  ليتقدم بي إلى حيث يطمح كل أب، وأنا منهم اليوم. فسألني بعد أن قدّم لي قبضة من الرمان الحلو: ما هو الطعم الآن؟ أجبت إنه ليس لفّاني، وانتظرني حتى ابتلعت، فمدّ يده إلى جيب قميصه وقدّم لي حبّة مما كُنّا نسمّيه “درُبس” – عن الإنكليزية، وهي حبّة حلوى صغيرة مصنّعة كأنها من زجاج وتتوفر بمختلف الألوان، وتكون شبه مغلّفة بمسحوق سكري أبيض خفيف… وقد سارعتُ باختطاف الحبة من بين أصابعه وألقيتها في فمي متمتِّعاً بحلاوة الطعم. فسألني: هي أحلى من الرمان؟ أجبت بالإيماء إيجاباً كي لا أفتح فمي وأخسر لحظة من الحلاوة. بعد لحظات من عنايته ومتابعته كنت قد ارتقيت بمعرفتي، وعلمتُ أن هناك ما هو حلو وما هو أحلى منه. وكان هذا أول عهدي بقانون النسبية للعزيز آينشتاين. وعندما ذكر المرحوم إسمه لأسمعه لأول مرّة، ظننتُ أنه يعطس… وشيئاً فشيئاً رحت أهتم بنظرية النسبية التي لم أفهم منها حتى الآن أيّ شيء.

هذا حلو وهذا أحلى. هذا سريع وهذا أسرع. هذا طويل وهذا أطول… ورُحتُ أبحث في جعبة ما أعرفه من مُفردات لأطبق عليها هذا القانون المُستحدث على معرفتي.

مرة بعد مرة كنتُ أتعلم، وها قد بلغتُ من العمر ما كنتُ أظننتي لن أبلغه، ومازلت أحاول أن أتعلّم… إلا أنني صرت أقل لياقة وأكثر عناداً… ويتيماً من دون أب. ثم أنني اكتسبتُ عادات جديدة، الأسوأ بينها أنني أتكلم أكثر مما أستمع، وأبادر أكثر مما افكّر، واشتري الرمان اللفاني الوارد من سوريا كلّما عثرت عليه في السوق. وكلّما سألت البائع عن سبب عرضه الرمان السوري بدلاً من اللبناني، أسمع منه أن لا رمان من منشاً لبأ لبناني في السوق، فكل الرمان المحلي لا يُشكّل 1% من حاجة الاستهلاك. و 99% من رمّان السوق يأتينا من سوريا أو عبرها من تركيا.

ومع كل كيس رمّان يعود معي إلى المنزل، كنت أفكّر بما يقوله ويردده الباعة هنا وبما أعلنه الرسمي السعودي هناك، فأستنتج أن أحدهما فقط لا يكذب، وأن بلدي تحوّل، بفعل هيمنة ذئاب الطوائف وخنازيرها إلى مبغى مُشرّع على الرياح الأربع… وأن المسافة بين الهنا والخليج بات ينبغي أن تقاس بالشيكل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى