خاص : تغريبة بني حريري … البُنى التحتية

محمود بري://

 

لنبدأ من البداية. مع وصوله طفت على السطح تعابير شتى بدت وكأنها تُستخدم لأول مرّة، وأشهرها كان : البُنى التحتية.

في مرحلة مبكرة من فترة “ما بعد انتهاء الحرب” وبروز رفيق الحريري وإمساكه بمفاصل رئاسة الحكومة، راح كثيرون يتطوعون لتفسير وشرح المعنى العملي لتعبير البُنى التحتية  ولاسيّما في مرحلة ظهور تلك الشاحنات غريبة الشكل ذات العجلات الضخمة وصناديق التحميل الصغيرة، والتي راحت تذرع مناطق خرائب “البلد” التي دمّرتها الحرب، جيئة وذهاباً كالنِمال العملاقة الغاضبة. فقد نشطت ورشة ضخمة لنبش الأبنية المدمرة ونقل أوشالها لطمر البحر في منطقة النورماندي، الأمر الذي “أنجب” مساحات جديدة هائلة ممتدة داخل البحر، هي اليوم من أغلى الأراضي على شاطئ المتوسط. وكلّها كانت للحريري الأب وبعض المحظيين من كبار رجالات الدولة…المتواصلة.

لا أحد (خارج دائرة الحريري الأب المقفلة) يعرف على وجه الدقة نوع وكمّ المواد الأثرية التي تم العثور عليها في مختلف أنحاء “البلد” التي مورست فيها عمليات ما سُمِي “إعادة الإعمار”. صحيح أنهم نقلوا الآثار بعناية وإيثار وشفافية فائقة ليودعوها في أقبية مأمونة حيث ما تزال سليمة مُعافاة في الحِفظ والصون، إلا أن أحداً من خارج نادي الحريري المختصر جداً أمكنه مشاهدة تلك اقطع الأثرية، عرَضياً في الغالب، أو أُتيح له معرفة مصيرها النهائي وأين يستقر بعضها اليوم. ولا أحد من العامة يعلم علم اليقين إن كان بِيع منها الكثير أو القليل، بل لا أحد متأكداً من أنه لم يُبع منها قطعة واحدة أو أكثر من ألف قطعة  لصالح جيب هذا المحظي أو سواه. إلا أنه من المؤكد أن المواد الآثارية التي جرى التقاطها هي بالغة الأهمية وعظيمة القيمة وباهظة الثمن أيضاً إذا ما جرى “تأريشها”.

البُنى التحتية التي دفع البلد كل ثراء ما قبل الحرب عليها، ها نحن نلمس اليوم مدى سوء وتخلّف هندستها وبنائها. وأبسط الأمثلة على هذين السوء والتخلّف هو البحيرات الطُرقية والشوارع العائمة مع سقوط المطر والأنفاق التي تتحوّل إلى بُرك عميقة، وممرات تحت الجسور التي تغرق فيها السيارات والشاحنات. هذا دون التحدث عن انقطاع التيار الكهربائي (حين يكون شغّالاً) مع كل مطرة وكل هبّة هواء.

والمعنى أن البُنى التحتية الشهيرة تلك التي كلّفت المليارات والتي “صنعت” زُمراً زُمراً من أغنياء الحرب من ذوي الذمم الواسعة، وفي طليعتهم الكبار، هذه البُنى التحتية جاءت أسوأ بكثير مما يمكن تخيّل وجوده في أكثر بلدان العالم فقراً وتخلّفاً وبدائية، على الرغم من أن التكاليف التي حُسبت لها وجرى سحبها من الخزينة لتنفيذها، ضاهت ما جرى إنفاقه على البُنى التحتية المماثلة في واشنطن دي سي أو في أرقى أحياء طوكيو.

وهذه نقطة في بحر. والآتي أعظم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى