خاص : حماقة لا بد منها

محمود بري://

 

ما يفعله ترامب تجاه الدول والشعوب التي يعاديها، ليس نوعاً مُستجداً من الجنون، بقدر ما هو من صنف التغوُّل يمارسه غول المتفلّت من كل القوانين، ويبدو كأنه لا يُبالي بما يمكن أن تتسبب به عدوانيته ضد كثيرين، من إبران وفنزويلا وشعوبهما، مروراً بالشعب الفلسطيني وما يطالب به، وصولا حتى الصين (ولمَ لا؟).  وبينما تتخبط دوائر البيت الأبيض على إيقاع طبول التغوُّل الترامبية التي لم تترك لواشنطن صديقاً في العالم كلّه، غير حالبتها إسرائيل، يتراءى أن أصفر الشعر لن يهدأ ما لم ينل صفعة رنّانة على خدّه تُعيده إلى الواقع، كما يحصل مع أي رجل يفقد أعصابه وعلاقته بالواقع، فلا يستعيد عقله إلى بالصفع على الوجه.

ترامب يقود اليوم أقوى واعتى وأغنى قوة في العالم…وربما في التاريخ. لكنه، أسوة بآخيل الأسطورة، يعاني نقطة ضعف قاتلة ربما تودي به وبدولته كما أودى العُقب بآخيل. فهذا السياسي الفجّ والمتسلّط يضع الآخرين (الذين لا يحبهم) كلّهم في عُلبة واحدة وعلى قدم المساواة. والمعنى أنه ينظر إلى شبه دولة مثل غزّة مثلاً، وهي في أسفل سُلّم القوة والغنى والاستطاعة، إلى جانب فنزويلا، الدولة العنيدة، وإلى جانب إيران الدولة الأقوى في الإقليم، وحتى إلى جانب الصين… وهي العملاق الأصفر الذي استفاق  أخيراً. وهذا يدفعه على ما يتبيّن من مواقفه وتصريحاته، إلى فتح مرحلة حرب باردة مع بيجين، لا مانع من أن تُفضي إلى بعض الحماوة العسكرية، ولا سيما في المحيطات والبحار الحسّاسة.

ولئن كانت إيران، بتصميمها وعزّتها، قد اضطرّته إلى ابتلاع تهديداته وإفساح المجال أمام حاملات النفط الإيرانية إلى فنزويلا وإلى الصين أيضاً، فإن “الحماقة الضرورية” التي لا بد له من ارتكابها في حق الصين، والتي لا يصحّ اعتبارها مجرّد ا حتمال عابر، ستكون في حين حصولها، الصاعق الذي يفجّر الصفعة الصينية على الخّ الأرعن، والتي على الغالب، سوف تُعيد المتغوِّل إلى أرض الواقع. وما لم يتحقق ذلك من بوّابة الصين، فقد يسعى الغول الأرعن إلى استجلابه من الكفّ الإيرانية… فهذا الرئيس المُولّي رغم أنفه، سيكون بإمكانه تحقيق رغباته المرضية، سواء منها تمديد ولايته الملعونة أو الحيلولة دون وصول خصمه اللدود “بايدن” إلى كرسي الحكم، وذلك من خلال التسبب بحرب كبيرة بين الولايات المتحدة وأيّ خصم أو عدوّ في العالم.  وهذا ما يبدو أنه مُقدِم عليه بانخراطه في حرب مع إيران… وهذا ما يبدو أنه مقبل عليه. وسواء كان الصاعق المفجّر لهذه الحرب ضربة أميركية هائلة  داخل إيران ، أو ضربة  إسرائيلية استراتيجية هامة في بلاد فارس، فكلا الأمرين سيدفع بالسلاح الإيراني إلى العمل حيث سيتلقى العدو المزدوج سلسلة من المفاجآت التي يكون نسجها الإيرانيون على عاداتهم، بصبرٍ وصمت وطول أناة. ومن هنا لن يكون بوسع أحد (ولا حتى بقرة التنجيم البشعة…) تخيّل تسلسل الكوارث. لكن هذا، وبصرف النظر عمّا ينتج عنه، سيؤدي إلى …تواصل ولاية ترامب بعد 20 كانون الثاني المقبل، وعدم تسلّم بايدن مقاليد السلطة…وهذا بموجب ما ينص عليه دستور البلاد في مثل هكذا حالة.

هكذا يرتكب دونالد ترامب الحماقة التي لا بد منها، وعلى الأثر يمكن أن تشهد البشرية، أو من يتبقى منها على قيد الحياة، نهاية ستكون الأبشع لروما العصر، ويكون الغول قد حقق رغبته و…التهم نفسه وبلده.

المشكلة تتمثل في أن هذه الفرضية ليست أكثر من هندسة أمان للغد. لكنّ أحداً لا يملك أن يهندس الأمان نظرياً ويفرضه على مُجريات المستقبل، خصوصاً عندما يكون على الطرف الآخر في المعادلة رئيس دولة عُظمى وهو الأعظم عدوانية وتغوُّلاً وحماقة في آن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى